فصل: اسْتِدْرَاكٌ عَلَى تَفْسِيرِ {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وَقَالَ: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [2: 155] وَقَالَ: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [47: 31] وَقَالَ: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [29: 1- 3] وَقَالَ حِكَايَةً عَنْ نَبِيِّهِ سُلَيْمَانَ: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [27: 40] وَثَمَّ آيَاتٌ أُخْرَى.
أَرْشَدَنَا اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَاتِ وَأَمْثَالِهَا إِلَى طَرِيقِ الِاسْتِفَادَةِ مِنْ سُنَنِهِ فِي جَعْلِنَا خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ، وَرَفْعِ بَعْضِنَا دَرَجَاتٍ عَلَى بَعْضٍ، بِأَن نَصْبِرَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَنَشْكُرَ فِي السَّرَّاءِ، وَالشُّكْرُ عِبَارَةٌ عَنْ صَرْفِ النِّعَمِ فِيمَا وُهِبَتْ لِأَجْلِهِ، وَهُوَ مَا يُرْضِي الْمُنْعِمَ تَعَالَى وَتَظْهَرُ بِهِ حِكْمَتُهُ، وَتَعُمُّ رَحْمَتُهُ، كَإِنْفَاقِ فَضْلِ الْمَالِ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ الَّتِي تَنْفَعُ النَّاسَ، وَإِعْدَادِ الْقُوَّةِ بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ لِتَأْيِيدِ الْحَقِّ وَإِقَامَةِ الْعَدْلِ. وَلِكُلِّ نِعْمَةٍ بَدَنِيَّةٍ أَوْ عَقْلِيَّةٍ أَوْ عِلْمِيَّةٍ أَوْ مَالِيَّةٍ أَوْ حِكْمِيَّةٍ شُكْرٌ خَاصٌّ، وَمَنْ لَمْ يَهْتَدِ بِهَذِهِ الْهِدَايَةِ الرَّبَّانِيَّةِ فِي الِاسْتِفَادَةِ مِنَ النِّعَمِ وَالنِّقَمِ فَإِنَّهُ يُسِيءُ التَّصَرُّفَ فِي الْحَالَتَيْنِ فَيَظْلِمُ نَفْسَهُ وَيَظْلِمُ النَّاسَ، وَأَنَّ الْعَقْلَ الصَّحِيحَ وَالْفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ مِمَّا يَهْدِي إِلَى الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ، وَلَكِنْ لَا تَكْمُلُ الْهِدَايَةُ إِلَّا بِتَعْلِيمِ الْوَحْيِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ شُرِعَ لِمُسَاعَدَةِ الْعَقْلِ عَلَى حِفْظِ مَوَاهِبِ اللهِ تَعَالَى فِي الْفِطْرَةِ وَمَنْعِ الْهَوَى مِنْ إِفْسَادِهَا، وَصَدِّهَا عَنِ الْوُصُولِ إِلَى كَمَالِهَا، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ دِينَ الْفِطْرَةِ، فَالْمُسْلِمُونَ أَجْدَرُ النَّاسِ بِالصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ عَوْنٌ عَلَى الْجِهَادِ وَالْجِلَادِ، وَمَنْجَاةٌ مِنْ جَمِيعِ الشَّدَائِدِ وَالْأَهْوَالِ، وَأَحَقُّهُمْ بِالشُّكْرِ، وَالشُّكْرُ سَبَبٌ لِلْمَزِيدِ مِنَ النِّعَمِ، فَلَوْ كَانُوا مُهْتَدِينَ بِهِ كَمَا يَجِبُ لَكَانُوا أَعْظَمَ النَّاسِ مُلْكًا وَأَعْدَلَهُمْ حُكْمًا. وَأَوْسَعَهُمْ عِلْمًا، وَأَشَدَّهُمْ قُوَّةً، وَأَكْثَرَهُمْ ثَرْوَةً، وَكَذَلِكَ كَانَ بِهِ سَلَفُهُمْ. وَقَدْ أَخْبَرُهُمُ اللهُ بِأَنَّهُ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ، وَلَكِنَّ التَّقْلِيدَ أَضَلَّهُمْ عَنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَالِاتِّكَالَ عَلَى الْمَيِّتِينَ حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ سُنَنِ اللهِ فِي هَذَا الْإِنْسَانِ: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [20: 123، 124] {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا} [72: 16، 17] وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى، وَنَعِيمُهَا أَدْوَمُ وَأَعْلَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ بَيَانِ حَالِ مَنْ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ حُظُوظَ الدُّنْيَا وَحْدَهَا، وَمَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَيَسْعَى لَهَا سَعْيَهَا: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} [17: 21] وَإِنَّمَا جَعَلَ الدُّنْيَا لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، لِئَلَّا تَعْظُمَ الْفِتْنَةُ بِجَعْلِ نَعِيمِهَا كُلِّهِ أَوْ مُعْظَمِهِ لِلْكُفَّارِ وَحْدَهُمْ فَيَكُونَ النَّاسُ كُلُّهُمْ لِضَعْفِهِمْ كُفَّارًا، قَالَ تَعَالَى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [43: 32- 35].
{إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} أَيْ إِنَّهُ تَعَالَى سَرِيعُ الْعِقَابِ لِمَنْ كَفَرَ بِهِ أَوْ بِنِعَمِهِ وَخَالَفَ شَرْعَهُ وَتَنَكَّبَّ سُنَنَهُ، وَسُرْعَةُ الْعِقَابِ تَصْدُقُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّ الْعِقَابَ الْعَامَّ عِبَارَةٌ عَمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى ارْتِكَابِ الذُّنُوبِ مِنْ سُوءِ التَّأْثِيرِ، وَهُوَ فِي الدُّنْيَا مَا حُرِّمَتْ لِأَجْلِهِ مِنَ الضَّرَرِ فِي النَّفْسِ أَوِ الْعَقْلِ أَوِ الْعِرْضِ أَوِ الْمَالِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشُّئُوُنِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، فَإِنَّ الذُّنُوبَ مَا حُرِّمَتْ إِلَّا لِضَرَرِهَا، وَهُوَ وَاقِعٌ مُطَّرِدٌ فِي الدُّنْيَا فِي ذُنُوبِ الْأُمَمِ وَأَكْثَرِيٌّ فِي ذُنُوبِ الْأَفْرَادِ، وَلَكِنَّهُ يَطَّرِدُ فِي الْآخِرَةِ بِتَدْنِيسِهَا النَّفْسَ وَتَدْسِيَتِهَا كَمَا وَضَّحْنَاهُ مِرَارًا، وَقَدْ يَسْتَبْطِئُ النَّاسُ الْعِقَابَ قَبْلَ وُقُوعِهِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْغَيْبِ مَجْهُولٌ لَدَيْهِمْ فَيَسْتَبْعِدُونَهُ وَهُوَ عِنْدَ اللهِ مَعْلُومٌ مَشْهُودٌ فَلَيْسَ بِبَعِيدٍ {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا} [70: 6، 7].
وَإِنَّهُ تَعَالَى عَلَى سُرْعَةِ عِقَابِهِ وَشِدَّةِ عَذَابِهِ لِلْمُشْرِكِينَ وَالْكَافِرِينَ غَفُورٌ لِلتَّوَّابِينَ الْأَوَّابِينَ رَحِيمٌ بِالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُحْسِنِينَ، بَلْ سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ وَوَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ جَزَاءَ الْحَسَنَةِ عَشْرَ أَمْثَالِهَا وَقَدْ يُضَاعِفُهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَضْعَافًا كَثِيرَةً، وَجَزَاءَ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةً مِثْلَهَا وَقَدْ يَغْفِرُهَا لِمَنْ تَابَ مِنْهَا {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [42: 30] وَقَدْ أَكَّدَ الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ هُنَا بِمَا لَمْ يُؤَكِّدْ بِهِ الْعِقَابَ وَهُوَ اللَّامُ فَنَسْأَلُهُ تَعَالَى أَنْ يَغْفِرَ لَنَا ذُنُوبَنَا وَيُكَفِّرَ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا. وَيَتَغَمَّدَنَا بِرَحْمَتِهِ الْوَاسِعَةِ، وَيَجْعَلَ لَنَا نَصِيبًا عَظِيمًا مِنْ رَحْمَتِهِ الْخَاصَّةِ، وَيَكُونَ مِنْهُ تَوْفِيقُنَا لِإِتْمَامِ تَفْسِيرِ كِتَابِهِ عَلَى مَا يُحِبُّ وَيَرْضَى مِنْ هِدَايَةِ الْأُمَّةِ، وَكَشْفِ الْغُمَّةِ، فَنَكُونَ هَادِينَ مَهْدِيِّينَ، وَقَدْ تَمَّ تَفْسِيرُ رُبْعِهِ بِفَضْلِهِ وَتَوْفِيقِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

.اسْتِدْرَاكٌ عَلَى تَفْسِيرِ {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}:

اعْلَمْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ الْحَرِيصُ عَلَى دِينِهِ أَنَّ أَهْلَ الْحَقِّ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ إِنَّمَا سُمُّوا بِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُمْ سَارُوا فِي الِاهْتِدَاءِ بِالْإِسْلَامِ عَلَى السُّنَّةِ، وَهِيَ الطَّرِيقَةُ الْعَمَلِيَّةُ الَّتِي جَرَى عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيَانِ الْقُرْآنِ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [16: 44] وَتَلَقَّاهَا عَنْهُ بِالْعَمَلِ جَمَاعَةُ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ أَصَابَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي حَصْرِهِ حُجِّيَّةَ الْإِجْمَاعِ الدِّينِيِّ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، وَمَا رُوِيَ مِنَ الْآثَارِ فِي شُذُوذِ أَفْرَادٍ عَمَّا ثَبَتَ عَمَلُ الْجُمْهُورِ بِهِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، فَعَمَلُ الْجُمْهُورِ هُوَ السُّنَّةُ وَهُمُ الْجَمَاعَةُ. وَالْأَقْوَالُ وَحْدَهَا لَا يَتَبَيَّنُ بِهَا الْمُرَادُ بَيَانًا قَطْعِيًّا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ كَالْأَفْعَالِ وَإِنْ كَانَتْ فِي غَايَةِ الْجَلَاءِ وَالْوُضُوحِ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيٌّ الْمُرْتَضِي كَرَّمَ اللهُ تَعَالَى وَجْهَهُ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عِنْدَمَا أَرْسَلَهُ لِمُحَاجَّةِ الْخَوَارِجِ: احْمِلْهُمْ عَلَى السُّنَّةِ فَإِنَّ الْقُرْآنَ ذُو وُجُوهٍ. فَمُرَادٌ بِالسُّنَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَعْنَاهَا الْمُوَافِقِ لِلُّغَةِ لَا الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ لِلْمُحَدِّثِينَ وَسَائِرِ عُلَمَاءِ الشَّرْعِ الَّذِي يَشْمَلُ الْأَخْبَارَ الْقَوْلِيَّةَ وَغَيْرَهَا؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ ذَاتُ وُجُوهٍ أَيْضًا، وَرُبَّمَا كَانَتْ وُجُوهُهَا الَّتِي يَتَوَجَّهُ إِلَيْهَا أَهْلُ التَّأْوِيلِ أَكْثَرَ مِنْ وُجُوهِ الْقُرْآنِ لِأَنَّهَا دُونَهُ فِي الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ وَالْبَيَانِ؛ وَلِذَلِكَ أَوْجَزَ الْقُرْآنُ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الدِّينِ الْعَمَلِيَّةِ وَوَكَّلَ بَيَانَهَا لِعَمَلِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَحَالَ فِي بَيَانِهَا عَلَى الْعَمَلِ فَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
أَقُولُ هَذَا تَمْهِيدًا لِتَذْكِيرِكَ بِعَدَمِ الِاغْتِرَارِ بِمَا لَعَلَّكَ اطَّلَعْتَ أَوْ تَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي حَمَلَ عَلَيْهَا بَعْضُ الْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُصَنَّفِينَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّجْمِ: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [53: 38، 39] فَحَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ تَارَةً بِالتَّأْوِيلَاتِ السَّخِيفَةِ. وَتَارَةً بِدَعْوَى النَّسْخِ الْبَاطِلَةِ، وَتَارَةً بِدَعْوَى أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مِنْ شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى لَا مِنْ شَرْعِنَا، وَتَارَةً بِتَخْصِيصِهِمَا بِالْكُفَّارِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ غَفَلَ هَؤُلَاءِ عَنْ كَوْنِ مَضْمُونِ الْآيَتَيْنِ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ وَأُصُولِ الْإِسْلَامِ الثَّابِتَةِ عَلَى أَلْسِنَةِ جَمِيعِ الرُّسُلِ، وَمُؤَيَّدًا بِآيَاتٍ كَثِيرَةٍ بِلَفْظِهَا وَمَعْنَاهَا كَآيَةِ الْأَنْعَامِ الَّتِي نَكْتُبُ هَذَا تَتِمَّةً لِتَفْسِيرِهَا، وَآيَةِ سُورَةِ فَاطِرٍ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ} [35: 18] وَالْآيَاتِ الْكَثِيرَةِ الْمُعَلِّقَةِ لِلْفَلَاحِ وَالْخُسْرِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ بِالْأَعْمَالِ، وَالْآيَاتِ النَّاطِقَةِ بِأَنَّ النَّاسَ لَا يُجْزَوْنَ إِلَّا بِأَعْمَالِهِمْ، وَإِنَّمَا يُجْزَوْنَ بِأَعْمَالِهِمْ هَكَذَا بِصِيغَتَيِ الْحَصْرِ الَّذِي تُعَدُّ دَلَالَتُهُ أَقْوَى الدَّلَالَاتِ فِي بَيَانِ الْمُرَادِ؛ وَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ أَسَاسُ أَرْكَانِ الدِّينِ كُلِّهَا. وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي الْجَزَاءِ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَهِيَ مُقَرِّرَةٌ لِلتَّوْحِيدِ أَيْضًا كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي تَفْسِيرِهَا مُفَصَّلًا وَأَشَرْنَا فِيهِ إِلَى بَعْضِ تِلْكَ الْآيَاتِ.
أَمَّا هَؤُلَاءِ الْمُقَلِّدُونَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ فَسَبَبُ غَفْلَتِهِمْ وَتَأْوِيلِهِمْ أَنَّهُمْ يُحَاوِلُونَ تَصْحِيحَ كُلِّ مَا فَشَا مِنَ الْبِدَعِ بَيْنَ أَقْوَامِهِمْ وَالْمَنْسُوبَيْنِ إِلَى مَذَاهِبِهِمْ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الدَّلِيلِ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَتْرُكُونَ ضَلَالَةَ التَّأْوِيلِ. وَأَمَّا أَهْلُ النَّظَرِ فِي أَدِلَّةِ الْمَذَاهِبِ مِنْهُمْ فَلَا هَمَّ لَهُمْ مِنَ النَّظَرِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِلَّا أَخْذُ مَا يَرَوْنَهُ مُؤَيِّدًا لِمَذَاهِبِهِمْ وَتَرْكُ مَا سِوَاهُ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، أَوْ دَعْوَى النَّسْخِ أَوِ احْتِمَالِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
وَلَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ الْمُقَلِّدُونَ الْعُمْيَانُ هُمُ الَّذِينَ جَوَّزُوا وَحْدَهُمْ لِلنَّاسِ إِهْدَاءَ عِبَادَاتِهِمْ لِلْمَوْتَى وَلَكِنْ تَابَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ؛ إِذْ ظَنُّوا أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا فِي الدُّعَاءِ لِلْمَوْتَى وَالْإِذْنِ لِلْأَوْلَادِ بِأَنْ يَقْضُوا مَا عَلَى وَالِدَيْهِمْ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ- تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاعِ الْمَوْتَى بِعِبَادَاتِ الْأَحْيَاءِ مُطْلَقًا، غَافِلِينَ عَنْ حَصْرِ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ فِي الْأَوْلَادِ الَّذِينَ خَصَّ الشَّارِعُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ بِذَلِكَ فِي الْوَقَائِعِ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا. وَحَدِيثُ: «صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» يَتَعَيَّنُ أَنْ يُرَادَ بِالْوَلِيِّ مِنْهُ الْوَلَدُ لِيُوَافِقَهَا مَعَ سَائِرِ الْآيَاتِ؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُهَا كُلِّهَا وَهِيَ مِنَ الْأُصُولِ الصَّرِيحَةِ الْقَطْعِيَّةِ لِأَجْلِ حَمْلِهِ عَلَى عُمُومِ الْأَوْلِيَاءِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ الرَّاوِيَةَ لَهُ كَانَتْ تُصَرِّحُ بِعَدَمِ جَوَازِ صِيَامِ أَحَدٍ عَنْ أَحَدٍ عَمَلًا بِالنُّصُوصِ الْعَامَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ قَالَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَثَرِ: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ. وَمَا قُلْنَاهُ أَوْلَى لِجَمْعِهِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ وَمُوَافَقَتِهِ لِلْآيَاتِ وَلِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِي هُوَ حُجَّةُ مَالِكٍ. وَهُوَ هُنَا مُؤَيِّدٌ لِعَمَلِ الصَّحَابَةِ عُمُومًا وَخُصُوصًا لَا حُجَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. وَقَدْ سَقَطَ بِهَذَا الْجَمْعِ كُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِإِطْلَاقِ الْجَوَازِ مِنَ الْأَقْوَالِ.
وَأَمَّا الدُّعَاءُ لِأَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَلِأَحْيَائِهِمْ فَهُوَ عِبَادَةٌ لَا يَنْتَقِلُ ثَوَابُهَا مِنَ الدَّاعِي إِلَى الْمَدْعُوِّ لَهُ وَلَمْ يُرْوَ فِي إِهْدَاءِ ثَوَابِ الدُّعَاءِ شَيْءٌ بَلْ ثَوَابُهُ لِلدَّاعِي وَحْدَهُ سَوَاءٌ اسْتَجَابَهُ اللهُ أَمْ لَا، وَإِنَّمَا يَنْتَفِعُ الْمَدْعُوُّ لَهُ بِالِاسْتِجَابَةِ، وَاسْتِجَابَةُ الدُّعَاءِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ بِمَا يَنْقُضُ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ، وَلَا بِمَا يُبْطِلُ سُنَنَ اللهِ تَعَالَى فِي الْكَوْنِ فَنُفَوِّضُ الْأَمْرَ فِي صِفَتِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَنَكْتَفِي مِنَ الْعِلْمِ بِفَائِدَةِ الدُّعَاءِ لِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ عِبَادَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَحَابِّ الْمُؤْمِنِينَ وَتَكَافُلِهِمْ وَاهْتِمَامِهِمْ بِأَمْرِ سَعَادَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَمَا عَدَا الدُّعَاءَ مِنَ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّمَا وَرَدَ الْإِذْنُ فِيهِ لِلْأَوْلَادِ، وَوَلَدُ الْمَرْءِ مِنْ عَمَلِهِ فَانْتِفَاعُهُ بِعَمَلِهِ يَدْخُلُ فِي الْقَاعِدَةِ لَا أَنَّهُ يُعَارِضُهَا. وَلَوْ كَانَ الْإِذْنُ عَامًّا لَكَثُرَ عَمَلُ الصَّحَابَةِ بِهِ، وَرُوِيَ مُسْتَفِيضًا أَوْ مُتَوَاتِرًا عَنْهُمْ لِتَوَافُرِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ؛ فَإِنَّ مِنْ دَأْبِ الْبَشَرِ وَطِبَاعِهِمُ الرَّاسِخَةِ الِاهْتِمَامَ بِكُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ مَوْتَاهُمْ. وَقَدْ نَقَلَ الرُّوَاةُ مِنَ التَّابِعِينَ كُلَّ مَا رَأَوْهُ وَعَلِمُوا بِهِ مِنْ أَعْمَالِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ.
كَتَبْتُ هَذَا لِأَنَّنِي بَعْدَ كِتَابَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَفْسِيرِ الْآيَةِ وَطَبْعِهِ رَاجَعْتُ مَا كَتَبَهُ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ أَطْنَبَ فِيهَا وَأَطَالَ كَعَادَتِهِ بِمَا لَمْ يُطِلْ بِهِ غَيْرُهُ وَلَا قَارَبَ، وَأَوْرَدَ كُلَّ مَا قِيلَ وَمَا تَصَوَّرَ أَنْ يُقَالَ فِي إِثْبَاتِ وُصُولِ ثَوَابِ أَعْمَالِ الْأَحْيَاءِ إِلَى الْأَمْوَاتِ مُطْلَقًا، وَنَفْيِهِ مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا بِمَا تَسَبَّبَ إِلَيْهِ الْمَيِّتُ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بِالْعِبَادَاتِ الَّتِي تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ كَالصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ دُونَ غَيْرِهَا كَالتِّلَاوَةِ وَالصَّلَاةِ وَكَذَا مَا وَقَعَ فِيهِ الْخِلَافُ مِنْ فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ- وَذَكَرَ حُجَجَ كُلِّ فَرِيقٍ وَرَدَّ الْمُخَالِفِينَ عَلَيْهَا، وَأَكْثَرُهَا نَظَرِيَّاتٌ بَاطِلَةٌ وَلَكِنَّهُ عَلَى سَعَةِ اطِّلَاعِهِ وَدِقَّةِ فَهْمِهِ قَدْ غَفَلَ عَنْ كَوْنِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي جَعَلَهَا حُجَّةَ الْمُثْبِتِينَ الْوَحِيدَةَ عَلَى انْتِفَاعِ أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ بِأَيِّ عَمَلٍ يُهْدَى إِلَيْهِمْ ثَوَابُهُ مِنْ عَمَلِ أَحْيَائِهِمْ قَدْ وَرَدَتْ فِي أَعْمَالٍ خَاصَّةٍ وَرُخِّصَ لِلْأَوْلَادِ وَحْدَهُمْ أَنْ يَقُومُوا بِهَا عَنْ وَالِدَيْهِمْ وَهُوَ لَمْ يَنْسَ مِنْ حُجَجِ الْمَانِعِينَ لِوُصُولِ ثَوَابِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهَا عَدَمَ نَقْلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَنِ السَّلَفِ وَلَكِنَّهُ وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ أَنْصَارِ أَتْبَاعِ السَّلَفِ قَدْ أَجَابَ عَنْ هَذِهِ الْحُجَّةِ بِجَوَابٍ ضَعِيفٍ جِدًّا فَقَالَ: فَإِنْ قِيلَ فَهَذَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا فِي السَّلَفِ لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَعَ شِدَّةِ حِرْصِهِمْ عَلَى الْخَيْرِ، وَلَا أَرْشَدَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ، وَقَدْ أَرْشَدَهُمْ إِلَى الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ. فَلَوْ كَانَ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ يَصِلُ لِأَرْشَدَهُمْ إِلَيْهِ وَلَكَانُوا يَفْعَلُونَهُ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ مُورِدَ هَذَا السُّؤَالِ إِنْ كَانَ مُعْتَرِفًا بِوُصُولِ ثَوَابِ الْحَجِّ وَالصِّيَامِ وَالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ، قِيلَ لَهُ: مَا هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ الَّتِي مَنَعَتْ وَصُولَ ثَوَابِ الْقُرْآنِ وَاقْتَضَتْ وَصُولَ ثَوَابِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ؟ وَهَلْ هَذَا إِلَّا تَفْرِيقٌ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ؟ وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِوُصُولِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ إِلَى الْمَيِّتِ فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَقَوَاعِدِ الشَّرْعِ.
وَأَمَّا السَّبَبُ الَّذِي لِأَجْلِهِ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ فِي السَّلَفِ، فَهُوَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَوْقَافٌ عَلَى مَنْ يَقْرَأُ وَيُهْدِي إِلَى الْمَوْتَى، وَلَا كَانُوا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ، وَلَا كَانُوا يَقْصِدُونَ الْقَبْرَ لِلْقِرَاءَةِ عِنْدَهُ كَمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ الْيَوْمَ، وَلَا كَانَ أَحَدُهُمْ يُشْهِدُ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ النَّاسِ عَلَى أَنَّ ثَوَابَ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ لِفُلَانٍ الْمَيِّتِ وَلَا ثَوَابَ هَذِهِ الصَّدَقَةِ وَالصَّوْمِ، ثُمَّ يُقَالُ لِهَذَا الْقَائِلِ: لَوْ كُلِّفْتَ أَنْ تَنْقُلَ عَنْ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ اللهُمَّ اجْعَلْ ثَوَابَ هَذَا الصَّوْمِ لِفُلَانٍ- لَعَجَزْتَ فَإِنَّ الْقَوْمَ كَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى كِتْمَانِ أَعْمَالِ الْبِرِّ، فَلَمْ يَكُونُوا لِيُشْهِدُوا عَلَى اللهِ بِإِيصَالِ ثَوَابِهَا إِلَى أَمْوَاتِهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْشَدَهُمْ إِلَى الصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ دُونَ الْقِرَاءَةِ قِيلَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَبْتَدِئْهُمْ بِذَلِكَ بَلْ خَرَجَ ذَلِكَ مِنْهُ مَخْرَجَ الْجَوَابِ لَهُمْ، فَهَذَا سَأَلَهُ عَنِ الْحَجِّ عَنْ مَيِّتِهِ فَأَذِنَ لَهُ، وَهَذَا سَأَلَهُ عَنِ الصَّدَقَةِ فَأَذِنَ لَهُ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ. وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ وُصُولِ ثَوَابِ الصِّيَامِ الَّذِي هُوَ مُجَرَّدُ نِيَّةٍ وَإِمْسَاكٍ وَبَيْنَ وُصُولِ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ؟ وَالْقَائِلُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ السَّلَفِ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ قَائِلٌ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ شَهَادَةٌ عَلَى نَفْيِ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ، فَمَا يُدْرِيهِ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَلَا يُشْهِدُونَ مَنْ حَضَرَهُمْ عَلَيْهِ؟ بَلْ يَكْفِي اطِّلَاعُ عَلَّامِ الْغُيُوبِ عَلَى نِيَّاتِهِمْ وَمَقَاصِدِهِمْ لاسيما وَالتَّلَفُّظُ بِنِيَّةِ الْإِهْدَاءِ لَا يُشْتَرَطُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الثَّوَابَ مِلْكٌ لِلْعَامِلِ، فَإِذَا تَبَرَّعَ بِهِ وَأَهْدَاهُ إِلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ أَوْصَلَهُ اللهُ إِلَيْهِ، فَمَا الَّذِي خَصَّ مِنْ هَذَا ثَوَابَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَحَجَرَ عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يُوصِلَهُ إِلَى أَخِيهِ؟
وَهَذَا عَمَلُ النَّاسِ حَتَّى الْمُنْكِرِينَ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ اهـ.
أَقُولُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ وَالْهِدَايَةُ: عَفَا اللهُ عَنْ شَيْخِنَا وَأُسْتَاذِنَا الْمُحَقِّقِ، فَلَوْلَا الْغَفْلَةُ عَنْ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ الْوَاضِحَةِ لَمَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْأَغْلَاطِ الَّتِي نَرُدُّهَا عَلَيْهِ بِبَعْضِ مَا كَانَ يَرُدُّهَا هُوَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ، وَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَغْفَلُ وَلَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ.
أَمَّا قَوْلُهُ لِمُورِدِ السُّؤَالِ إِذَا كَانَ مُعْتَرِفًا بِوُصُولِ ثَوَابِ الْحَجِّ وَالصِّيَامِ: مَا هَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ الَّتِي مَنَعَتْ وَصُولَ ثَوَابِ الْقُرْآنِ إِلَخْ فَنُجِيبُ عَنْهُ عَلَى طَرِيقَتِنَا بِأَنَّ الْمَانِعَ لِذَلِكَ نُصُوصُ الْقُرْآنِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي أَنَّ عَمَلَ كُلِّ عَامِلٍ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَالسَّائِلُ إِنَّمَا يَعْتَرِفُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ قَضَاءِ صِيَامٍ وَحَجٍّ ثَبَتَا عَلَى أَحَدِ وَالِدَيْهِ، وَكَذَا عَنِ الصَّدَقَةِ وَلاسيما عَمَّنْ لَمْ يُوصِ بِهَا مِنَ الْوَالِدَيْنِ هَلْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَنْ وَالِدَيْهِمْ؟ فَأَذِنَ لَهُمْ بِأَنْ يَقْضُوا دَيْنَ اللهِ عَنْهُمْ كَمَا يَقْضُونَ دُيُونَ النَّاسِ، وَأَنْ يَتَصَدَّقُوا عَنْهُمْ- فَهَذِهِ حُقُوقٌ ثَبَتَتْ عَلَى الْوَالِدَيْنِ، أَوْ صَدَقَةٌ كَانَ الْمُتَوَقَّعُ مِنْ أَحَدِهِمُ الْوَصِيَّةَ بِهَا فَقَامَ مَقَامَهُمْ أَوْلَادُهُمْ فِيهَا أَوْ تَبَرَّعُوا عَنْهُمْ، فَهِيَ لَيْسَتْ كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الَّتِي لَيْسَتْ مَفْرُوضَةً عَلَى الْأَعْيَانِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ كَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ، وَلَا مِنَ الْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ كَالْمَالِ الَّذِي كَانَ مِلْكَ الْمَيِّتِ وَانْتَقَلَ إِلَى وَلَدِهِ، أَوْ مِنْ كَسْبِ الْوَلَدِ الَّذِي عُدَّ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ كَسْبِ الْوَالِدِ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا، وَقَدْ أَلْحَقَهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ فِي قَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [52: 21] وَبِهَذَا كَانَتْ غَيْرَ مُعَارِضَةٍ لِتِلْكَ الْآيَاتِ، وَلَوْ عَارَضَتْهَا لَكَانَتْ هِيَ الْمَرْجُوحَةَ السَّاقِطَةَ بِهَا، فَبَطَلَ قَوْلُهُ: وَهَلْ هَذَا إِلَّا تَفْرِيقٌ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ- إِذِ الْعَمَلُ مُخْتَلِفٌ وَالْعَامِلُ الْمَأْذُونُ لَهُ بِهِ خُصُوصِيَّةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ فَلَا تَمَاثُلَ.